الجصاص
479
أحكام القرآن
مفتقرة إلى تضمينها بغيرها ، وما كان هذا وصفه من الكلام ففي تضمينه بغيره تخصيص له ، وذلك غير جائز إلا بدلالة ، فوجب أن يكون شرط المجئ من الغائط في إباحة التيمم مقرا على بابه وأن لا يضمن بغيره . وأيضا فإن حكم كل جواب علق بشرط أن يرجع إلى ما يليه ولا يرجع إلى ما تقدم إلا بدلالة ، والذي يلي ذلك هو شرط المجئ من الغائط . وأيضا كما جاز الوضوء قبل الوقت وجب أن يجوز التيمم كذلك ، لأنه طهارة لم يوجد بعدها حدث . فإن قيل : المستحاضة لا تصلي بوضوء فعلته قبل الوقت . قيل له : يجوز ذلك عندنا ، لأنها لو توضأت قبل الزوال كان لها أن تصلي به إلى خروج وقت الظهر ، وأما إذا توضأت في وقت الظهر فإنها لا تصلي به في وقت العصر للسيلان الموجود بعد الطهارة والوقت كان رخصة لها في فعل الصلاة مع الحدث ، فلما ارتفعت الرخصة بخروجه وجب الوضوء للحدث المتقدم . واختلف في فعل صلاتي فرض بتيمم واحد ، فقال : " يصلي بتيممه ما شاء من الصلوات ما لم يحدث أو يجد الماء " وهو مذهب الثوري والحسن بن صالح والليث بن سعد ، وهو مذهب إبراهيم وحماد والحسن . وقال مالك : " لا يصلي صلاتي فرض بتيمم واحد ، ولا يصلي الفرض بتيمم النافلة ، ويصلي النافلة بعد الفرض بتيمم الفرض " . وقال شريك بن عبد الله : " يتيمم لكل صلاة " . وقال الشافعي : " يتيمم لكل صلاة فرض ويصلي الفرض والنفل وصلاة الجنازة بتيمم واحد " . والدليل على صحة قولنا قوله صلى الله عليه وسلم : " التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " وقال : " التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء " فجعل التراب طهورا ما لم يجد الماء ولم يوقته بفعل الصلاة . وقوله : " ولو إلى عشر حجج " على وجه التأكيد ، وليس المراد حقيقة الوقت ، وهو كقوله تعالى : ( إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) [ التوبة : 80 ] ليس المراد به توقيت العدد المذكور ، وإنما المراد تأكيد نفي الغفران . فإن قيل : لم يذكر الحدث وهو ينقض التيمم ، كذلك فعل الصلاة . قيل له : لأن بطلانه بالحدث كان معلوما عند المخاطبين فلم يحتج إلى ذكره ، وإنما ذكر ما لم يكن معلوما عندهم وأكده ببقائه إلى وجود الماء . وأيضا فإن المعنى المبيح للصلاة بالتيمم بديا كان عدم الماء وهو قائم بعد فعل الصلاة ، فينبغي أن يبقى تيممه ، ولا فرق فيه بين الابتداء والبقاء ، إذ كان المعنى فيهما واحدا وهو عدم الماء . وأيضا لما كان المسح على الخفين بدلا من الغسل كما أن التيمم بدل منه ، ثم جاز عند الجميع فعل صلاتين بمسح واحد ، جاز فعلهما أيضا بتيمم واحد . وأيضا فلا يخلو المتيمم بعد فعل صلاته من أن